الشيخ محمد علي طه الدرة

141

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

و بِالْباطِلِ : في الآية رقم [ 139 ] ( الأعراف ) ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ : لقد اختلف في المراد بهؤلاء ، فقال معاوية : هم الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين ؛ وذلك : أنه سبحانه وتعالى لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان ، في الحرص ، على أخذ الأموال بالباطل ؛ حذر المسلمين من ذلك ، وذكر وعيد من جمع المال ، ومنع حقوق اللّه فيه . وقال أبو ذر الغفاري رضي اللّه عنه : نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين ، وكان الاختلاف في تفسير هذه الآية بين معاوية وأبي ذر سببا في إبعاد أبي ذر عن المدينة ، إلى الرّبذة . وَلا يُنْفِقُونَها : لم يعد الضمير مثنى على الذهب والفضة ، وفي ذلك أجوبة : الأول : قصد الأغلب والأعم ، وهي الفضة ، قاله ابن الأنباري ، ومثله قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ وقوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها فأعاد الضمير للصلاة وللتجارة ، فالصلاة أعم ، والتجارة أهم - الثاني : أن الضمير للكنوز - الثالث : أن الضمير للأموال - الرابع : الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر ، إذا فهم المعنى ، قال ابن أحمر : [ الطويل ] رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ، ومن أجل الطويّ رماني لم يقل : بريئين ، والطوي : البئر . فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ : انظر مثل هذه البشارة في الآية رقم [ 4 ] وقد فسر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم البشارة في هذا العذاب بقوله : « بشّر الكنّازين برضف يحمى عليه في نار جهنم ، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم ؛ حتى يخرج من نغض كتفيه ، ويوضع على نغض كتفيه ؛ حتى يخرج من حلمة ثدييه ، فيتزلزل » . أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه . الرضف ، والحجارة ، والنغض بفتح النون وضمها : أعلى الكتف ، قال العلماء : فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه ؛ لتعذيب قلبه ، وباطنه حين امتلأ بالفرح بكثرة المال والسرور في الدنيا ، فعوقب بالهم والعذاب في الآخرة . انتهى . قرطبي . هذا ؛ والنغض بسكون الغين وبفتح النون وضمها . روى أبو داود عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين ، فقال عمر : أنا أفرج عنكم ، فانطلق ، فقال : يا نبي اللّه ! إنه كبر على أصحابك هذه الآية ، فقال : « إن اللّه لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم » . قال : فكبّر عمر رضي اللّه عنه ، ثم قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ، المرأة الصالحة ، إذا نظر إليها ؛ سرّته ، وإذا أمرها ؛ أطاعته ، وإذا غاب عنها ؛ حفظته » . وروى الترمذي وغيره عن ثوبان رضي اللّه عنه أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : قد ذم اللّه سبحانه الذهب والفضة ، فلو علمنا أي : المال خير حتى نكتسبه ، فقال عمر رضي اللّه عنه : أنا أسأل لكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسأله ، فقال : « لسان ذاكر ، وقلب شاكر ، وزوجة تعين المرء على دينه » . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 180 ] من سورة ( آل عمران ) .